الرئيسية الكويت عربي دولي كتاب فن ونجوم رياضة مال واعمال المجتمع الجريمة

 

انتقاد السياسات الإسرائيلية ليس معاداة للسامية! طباعة أرسل إلى صديق
الاخبار - اقلام
الأربعاء, 10 تشرين1/أكتوير 2018 17:30

 

 

alkuwaitelheen

استفزتني مقالة نشرتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية حول الجدل الذي أحدثه منح جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2018 لجورج بي سميث. فالدكتور سميث، وفقاً للمقالة، ليس عالماً بارعاً ساعدت أبحاثه في التوصل إلى عقاقير جديدة يمكن أن تعالج السرطان ومجموعة من أمراض المناعة الذاتية الأخرى، بل هو، أيضاً، مؤيد بارز لحقوق الفلسطينيين ومنتقد للسياسات الإسرائيلية.
وتشير صحيفة هآرتس إلى أن الدكتور سميث ظل منذ فترة طويلة «هدفا للجماعات المؤيدة لإسرائيل»، وهو مدرج في «موقع بعثة الكناري المثير للجدل»، الذي استخدمه أنصار إسرائيل لمضايقة واسكات المنتقدين.
وعندما قرأت المقالة بحثا عن أدلة على خطايا سميث، وجدت اقتباسات تقول إنه «لا يتمنى أن يتم طرد السكان اليهود، بل إنهاء نظام الفصل العنصري في فلسطين». وتقتبس الصحيفة في موقع آخر من مقالة كتبها سميث تدين السياسات الإسرائيلية في غزة، ويختتمها بالتعبير عن دعمه لحركة مقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل BDS ووصفها بأنها «دعوة المجتمع المدني الفلسطيني لمجتمع الضمير العالمي لمقاطعة الشركات والمؤسسات الإسرائيلية إلى أن توقف إسرائيل (عنفها ضد الفلسطينيين) وممارساتها الأخرى ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك عمليات الإبعاد، وتحقيق المساواة الكاملة مع اليهود في وطنهم المشترك».
لقد قرأت كل ذلك في سياق هذه الحملة المثيرة للقلق التي تتكشف هنا في الولايات المتحدة لإسكات منتقدي إسرائيل أو لفرض الرؤية الحصرية للصهيونية السياسية. إنه جهد متعدد الجوانب ويتم تمويله بشكل جيد، ويعتبر موقع بعثة الكناري الغامض، أبرز مكوناته. يقوم هذا الموقع بنشر أسماء وصور وخلفيات الطلاب والأساتذة المؤيدين للفلسطينيين، ويتم وصمهم بأنهم معادون للسامية أو مؤيدون للإرهاب. ولا يخفي الموقع نيته إلحاق الضرر بمسيرتهم المهنية. كما تستخدم قائمة بعثة الكناري لتشويه صورة هؤلاء النشطاء لتخويف السياسيين من التعامل معهم. وقد تم استخدام القوائم من قبل الحكومة الإسرائيلية لمنع دخول الأميركيين الفلسطينيين أو اليهود الأميركيين التقدميين الذين يأتون لزيارة عائلاتهم أو الدراسة أو التعليم أو ببساطة لزيارة البلاد.
في حين بذلت بعثة الكناري قصارى جهدها للاحتفاظ بعملياتها وقيادتها وتمويلها بشكل سري، كشفت مقالات حديثة نُشرت في الصحافة اليهودية أن المشروع تم تمويله من قبل بعض الكيانات الخيرية الأميركية اليهودية الرئيسية.
إضافة إلى بعثة الكناري، هناك حملة تهدف إلى تجريم دعم BDS لإخضاع إسرائيل للمساءلة عن انتهاكاتها المنتظمة لحقوق الفلسطينيين. ويتم تمويل هذا الجهد بشكل كبير من أمثال شيلدون أديلسون، ومن الحكومة الإسرائيلية التي قدمت لها ملايين الدولارات، كما كشفت صحيفة يهودية أميركية بارزة مؤخراً.
ثم هناك تشريعات قيد النظر حالياً في الكونغرس تهدف إلى جعل مقاطعة إسرائيل جريمة، استكمالاً للولايات الـ25 التي سبق أن أصدرت قوانين تمنع الرواتب أو العقود أو المزايا للأفراد الذين يدعمون BDS.
وأخيرًا، في تكرار للجهد الذي دفع حزب العمل في المملكة المتحدة إلى اعتبار الانتقادات الموجهة لإسرائيل على أنها معادية للسامية، أعرب مكتب الحقوق المدنية في وزارة التعليم الأميركية عن نيته التحقيق في النشاط المناهض لإسرائيل، واعتبار الانتقادات لإسرائيل في حرم الجامعات شكلاً من أشكال معاداة السامية، وهناك تشريع قيد الدرس في الكونغرس بهذا الاتجاه، ويسعى كل من مشروع القانون هذا، والجهد الذي يقوم به كينيث ماركوس، في وزارة التعليم، إلى توسيع تعريف معاداة السامية ليشمل أي انتقادات لإسرائيل.
عند التفكير في هذه التطورات، هناك ملاحظات عديدة لا بد من ذكرها: معاداة السامية حقيقية وقبيحة وخطيرة. وانتقاد إسرائيل ليس معاداة للسامية. ومحاولات الخلط بينهما لا تستهدف، فقط، الحوارات المطلوبة، بل، أيضا، صرف الانتباه عن الجهد المبذول للقضاء على معاداة السامية الحقيقية، وهي آفة خلقت ألماً عظيماً ومعاناة هائلة في تاريخ البشرية.
معاداة السامية هي كراهية اليهود بشكل فردي وكمجموعة. وهي، أيضا، إسناد نوايا شريرة أو صفات سلبية للأفراد أو للمجموعة، فقط لأنهم يهود. ومن ناحية أخرى، فإن نقد السياسة الإسرائيلية ليس فيه معاداة للسامية، فعندما انتقد الدكتور سميث مجازر إسرائيل على حدود غزة أو إنكارها المنهجي للحقوق المتساوية والعدالة للفلسطينيين، فإنه لا يعزو هذا السلوك إلى دينهم أو حتى يشير إلى أن هذا السلوك يرجع إلى كونهم يهودًا، فعلى سبيل المثال، لا يقول «إسرائيل تضطهد الفلسطينيين لأن هذه هي الطريقة التي يتصرف بها اليهود»، كما أنه لا يقول إن جميع اليهود، كمجموعة، هم المسؤولون عن هذه الأفعال، وإلا كان ذلك معاداة للسامية، لم يقل شيئاً من هذا القبيل. الغرض من استهداف سميث وأمثاله ممن ينتقدون سياسات إسرائيل التي لا تحظى بتأييد كل اليهود في الداخل والخارج، هو إسكات أصواتهم.
وفكرة أن انتقاد إسرائيل يعتبر معاداة للسامية (ما يسمى الآن «معاداة السامية الجديدة») ليست جديدة، بل تعود إلى عقود من الزمن. واكتسبت الحملة دفعة قوية، في السنوات الأخيرة، لإضافتها إلى مصطلح معاداة السامية أي انتقاد يفرد إسرائيل ولا ينطبق نفس المعيار على بلدان أخرى. وهذه محاولات لا توفر الحماية لإسرائيل، ففي الوقت الذي يدعي فيه المؤيدون أنه يستهدف فقط أولئك الذين يخصون إسرائيل بانتقاداتهم، فإن ما يحاولون الوصول إليه فعلاً هو جعل إسرائيل فوق أي انتقاد.
من المهم أيضا أن نلاحظ أن هناك أدلة على أن النضال من أجل مكافحة معاداة السامية الحقيقية، في حالات كثيرة جدا، يتراجع أمام الجهد المبذول لحماية إسرائيل. فعلى سبيل المثال، وجهت بعض الجماعات الموالية لإسرائيل انتقاداتها لجيريمي كوربين زعيم حزب العمال واتهمته بالتسامح مع معاداة السامية، لكنهم تجاهلوا المعادين الحقيقيين للسامية من الجناح اليميني في السياسة البريطانية. أدى هذا إلى استنتاج العديد من أعضاء حزب العمال أن الهدف الحقيقي هو دعم كوربين المستمر للحقوق الفلسطينية. نفس الشيء يمكن أن ينطوي على تبني بنيامين نتانياهو لزعماء أوروبيين متطرفين معادين للسامية، لأنهم كانوا من المؤيدين الأقوياء لحكومته.
خلاصة القول هي أن هذا الجهد بأكمله صُمم ليس لمحاربة اللاسامية، بل لإسكات النقد، وفي سياق ذلك، يتم إلحاق ضرر هائل بالنقد المشروع والمستحق والضروري، للسياسات الإسرائيلية، وبسمعة الأفراد، مثل الدكتور سميث والناشطين من الطلاب الذين يتحدثون لأنهم غاضبون من المظالم التي تقع على الفلسطينيين، كما وقع ضرر على النضال ضد آفة معاداة السامية الحقيقية.