الرئيسية الكويت عربي دولي كتاب فن ونجوم رياضة مال واعمال المجتمع الجريمة

 

ثقافة الفرح طباعة أرسل إلى صديق
الاخبار - اقلام
الجمعة, 10 آب/أغسطس 2018 01:09

 

 

 

 

alkuwaitelheen

نعم هناك ثقافة للفرح، هناك عادات وأساليب وفكر يختص بها عالم الفرح، وهناك مجتمعات عُرفت بإتقان الفرح وعاداته، هؤلاء الأشخاص الذين أيقنوا أن الفرح قرار كما الحزن، فبحثوا عن الأمل قبل اليأس، وأشعلوا الشموع قبل لعن الظلام والتذمر، وصنعوا من ذلك الكم البسيط من الفرح عالماً كبيراً من السعادة رغم صغر حجمه، وهجروا الأشخاص من ذوي الطاقات السلبية، ووجدوا في لحظات الفرح فرصة للتمرّد على منغصات ومشاكل وهموم الحياة، فعندما تأتي لحظة الفرح تمسّكوا بها وعاشوها بالكامل، بل وجعلوها لا تفارق العقل والقلب، فهي التي تزودهم بمعنى الحياة وتعطي النفس قدرة على تحمّل الصعوبات التي قد تواجه ذلك الإنسان، باختصار الفرح يصنع للحياة معنى.
كثيراً ما نرى أفراداً يجهلون ثقافة الفرح، وحتى أنهم يُوصفون بأنّهم أميون بالفرح، ومصابون بداء الجهل في عالم «كيف تفرح؟!»، وكأن أنفسهم لم تتغذَ سوى بعادات الحزن والشكوى، وكأن الفرح استثناء والحزن هو الأصل كما يرى الأشخاص السوداويون (التشاؤميون) وبحثوا عن الهامش البسيط من الفرح سراً وبالخفاء خوفاً من عيون الحسد كما يظن البعض! فهناك أشخاص يرون من الألوان التي تزين اللوحات على الحائط جمالاً وسحراً، وآخرون يتذمرون من رائحة تلك الألوان وعشوائيتها!
ما جعلني أكتب في ذلك الموضوع أن هناك مجتمعات عُرفت بالفرح وإتقانه من دون تعليم، بل أصبح علامة فارقة تميّز ذلك المجتمع عن غيره، وآخرون يمر الفرح بهم زائراً سريعاً من دون أن يشعر به أصحابه!
إنّ الفرح لا يحتاج كتيبات تدريب وتعليم، ندرك أن الإنسان مزيج فرح وحزن، لكن ما يؤخذ على بعض الأفراد إتقانه المميز لسلوك الحزن، وضعف مستويات الفرح لديه. فالمطلوب كما يعطى للحزن مراسيمه بشكل متقن، ليكن للفرح درجات من الاهتمام أيضاً وبشكل مبالغ به، فالنفس تعشق الفرح كما تعشق الصحراء الماء، فلا تبخل على نفسك إذا ما حضرت لحظة الفرح!
إن الاستعداد للفرح يتزايد بقدر ما يكون المرء اجتماعياً، وصحياً، وإن بدأنا عدّ منجزات الفرح على الجسد والنفس فلن ننتهي، فهو يساعد في تدفق المزيد من الأكسجين إلى الدم، مما يرفع طاقة الفرد، وهو يحمي القلب، ويعتبر وصفه علاجاً مفيداً جداً له، وله الفضل في الوقاية والتعامل مع مرضى السكري، ويعالج التوتر الجسدي والنفسي، كما يقوم بتقوية جهاز المناعة، وهو يُمتِّن تواصل الصداقة بين الناس، ويخفف من التأثير السلبي الذي تتركه الخلافات والانتقادات وخيبات الأمل، ويعين على تحمل المصائب والهموم، ويعطي للإنسان فرصة لينسى دفائنه الحزينة السوداوية، ويتحرر من الخجل والخوف في التعبير عن آرائه أمام الغير، ومهنياً فهو يحسّن من أداء العاملين في المؤسسات وميادين العمل. خلاصة الأمر هو مصنع دواء مجاني داخل جسد الإنسان.
ولعل الفرح وما يفرزه من انفعالات ومشاعر إيجابية أفضل وأرخص وسيلة للخلاص من الهموم والأشجان والأفكار السوداء، فلا يمكن لأحدنا أن يفرح يضحك وهو قلق، أو غضبان أو حزين، ولعل الضحك والفرح هما أفضل الوسائل لتجميع القوى بعد حصول مصيبة، والبداية من جديد بنظرة واقعية ومتفائلة، ولعله من أفضل الوسائل للحفاظ على الانسجام النفسي والعاطفي. لحظات الفرح لا تصنعها العوالم الافتراضية يا من عشقتم النجاحات الافتراضية التي يصنعها عالم لا تراه ولا تسمعه بل ترى نتائجه على الشاشات، ابحثوا عن الفرح تحت أسقف المنازل وبين الأصدقاء والأقارب، فالفرح ثقافة لا تحتاج مدارس وكادراً تعليمياً، بل تحتاج نفساً تصنع من جرعات الفرح البسيطة عالماً لا منتهٍ من الفرح.