الرئيسية الكويت عربي دولي كتاب فن ونجوم رياضة مال واعمال المجتمع الجريمة

 

الوفاء للرعيل الأول طباعة أرسل إلى صديق
الاخبار - اقلام
الثلاثاء, 13 آذار/مارس 2018 01:20

 

 

 

alkuwaitelheen

قلّبت صفحات الذكريات، التي رواها لي أهلي، وتلك التي سطرها كتابةً العديد من أبناء وطني، ومرّ بي شريط ذكريات حياتي سريعاً، وإذ بي أشاهد رسماً مميزاً أمامي، لوحة فنية جميلة مشرقة في تكوينها، زاهية في ألوانها، تحفة في تفردها، رائعة في كل ما جُسّد فيها، إنها لوحة بلادي الكويت.

ومن خلال تقليب صفحات تلك الذكريات، استوقفني ذلك الجهد المميز والفريد للأجداد والآباء من بناة الكويت، فبسواعدهم وأعمالهم المضنية تميز أولئك الرجال من الرعيل الأول، فقد بنوا وطناً يقوم على تسامح وتعايش بين أبنائه، كل منهم يرى الآخر بعين التقدير والاحترام وحسن التعامل، فلا تعالٍ ولا تكبّر ولا محاولة استغلال الآخر، وقد انعكس ذلك على طيبةٍ صُقل بها معدن أولئك الرجال، فكانت ثقافتهم هي التفاهم والتسامح، وحمل الآخرين على حسن الظن، وعدم التعجل بالحكم عليه بأي شكل كان.

وقد اشتغل الكويتيون من هذا الرعيل في السفر والغوص والتجارة والبناء، باعتبارها المهن الأساسية لبلد يقع على ضفاف الخليج، وفيه شحّ بالمصادر الاقتصادية والمالية، التي يمكن أن تفسح سبلاً أخرى من فنون المعيشة والحياة الاقتصادية، وقد أكسبت تلك المهن هذا الرعيل أخلاقاً وقيماً سطّروها بالواقع، وشذّبتها نشأتهم الدينية الإسلامية، فقد اتسموا بالصدق والأمانة والجلد والشجاعة والمثابرة وتحمل مشاق الحياة، وأكسبتهم صبراً وبعد نظر، وقدرة على التغلب على واقع ليس باليسير، وإلى جوار ذلك، يحفّهم حبٌّ مميز للوطن، الذي التقوا فيه ونشأوا في ربوعه، وأخلصوا لرفع شأنه وتشييده، فبُنيت بسواعدهم الكويت المجتمع والدولة، وقد كان لأسفارهم، بنوعيها للتجارة أو الغوص، مردود مباشر في تفتيح آفاقهم، وإكسابهم مهارات التغيير للأفضل، واقتباس الأفكار التي من شأنها أن تطور وطنهم، ولما كانت طبيعة التسامح والتوافق ميزة متجذرة في المجتمع الكويتي، فقد انعكس ذلك بتوافق سياسي أيضا، إلى جانب التوافق الاجتماعي، فكان أن التقت آراء هذا الرعيل من أهل الكويت مع حاكمهم وأسرته على إقامة نظام إدارة للدولة، ركنه الأساسي هو المشاركة في الإدارة والرأي، في مقابل إعطاء الولاء والسمع والطاعة للحاكم، فانبثق عن ذلك نمط مميز لنظام سياسي، محاوره الرضائية والمشاورة والمشاركة، وتلك سمة جلية دونتها كتب التاريخ، وكل من زار الكويت أو عرفها أو كتب عنها من المؤرخين في وصف نمط تلك العلاقة الرضائية التي تحكم النظام السياسي في الكويت.

وعلى الرغم من قلة فرص التعليم لعدد من أبناء الرعيل الأول، فإنهم كانوا يتمتعون بمعرفة وثقافة كبيرة، بل انهم كانوا يديرون الأدب بأنواعه في مجالسهم، ويسلكون الحوار سبيلاً لتفاهمهم، فكان ذلك مصدر لقوة مكّنت هذا الرعيل من أن يشيّد مسلكا متناغما في شؤونهم الثقافية والاجتماعية والتجارية والسياسية، فثقافياً كانوا متسامحين مستوعبين للرأي الآخر، ومطلعين على أهمية التعدد والتبيان الفكري والثقافي، واجتماعياً كان توادّهم وتراحمهم وتواصلهم واندماجهم، وبعدهم عن التعصب أو التعالي والتكبر سمة بارزة، وأما تجارياً، فقد حولوا بلدهم الصغير إلى مرفأ لتجارة الترانزيت، عبروا من خلاله بتجارتهم إلى العراق والشام وتركيا، وبلغت سفنهم وتجارتهم بلاد القارة الهندية، مما أوجد شهرة تجارية لبلدهم الكويت، بل وأكسبهم تعاملاً مميزاً بالصدق والأمانة والثقة، التي هي مستلزمات أساسية لأي بلد تجاري.

أما سياسياً، فقد كان ذلك التراضي والتوافق والجرأة وصدق الكلمة، التي تقدم بها المشورة للحاكم، أو يتم بها توجيهه أو نقده أو إعانته على إدارة شؤون البلد، صفات مميزة لا تعرف المجاملة، فهي جرأة صادقة بأدب جمّ، من دون خوف أو وجل أو من دون نفاق أو تزلف، فكان ذلك ركيزة جوهرية لتوازن شيّد على أساسه نظام سياسي متقدم، وتوّجوا من خلاله مجلس شورى عام 1921، ثم مجالس مصالح ومرافق منتخبة في الثلاثينات، عقبها مجلس أمة منتخباً عام 1938، وعلى أسس تلك التوافقية، ولد واحد من أكثر الأنظمة الدستورية المعاصرة توازنا ووسطية، ألا وهو النظام الدستوري الحالي بفضل هذا الرعيل الأول المميز.

إن الرعيل الأول قد سلّمنا بلدا جميلا متطورا ومميزا، إلا أننا وبكل حزن وألم أقول اننا قد جرحنا قيم الأحياء والأموات من هذا الرعيل، فتمّ النيل من الدستور، والتعريض بأحكامه، وتجرأ البعض على استباحة الوطن، والانقضاض على أمواله العامة بصورة مؤذية، وبلغ الأمر بإدارته الحكومية إلى مرحلة الإدارة الباهتة، التي لا تملك رؤية ولا برنامجاً، وآل فيها وضع مجلس الأمة في أغلب الأحيان إلى مجلس مسلوب الإرادة، وبالرغم من كل ذلك، أكرر مقولتي انه رغم كل ما يعتري حياتنا من منغصات، فإنه علينا أن نتفاءل لننعم بآفاق الإقبال على الحياة وإعادة البهجة الى وطننا، فغد الكويت مشرقٌ، فهي بلد معطاء، معدن أهله أصيل منذ رعيله الأول.